الشيخ محمد النهاوندي
62
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
فيه منفعة . فهو من التّشبيه المركّب . وإنّما وصف القوم بكونهم كفّارا ، لأنّ الإهلاك عن السّخط أقطع وأفظع وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بإهلاك ما أنفقوا من الأموال ، وبإحباط ما عملوا من الخيرات وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ حيث إنّهم أنفقوها مع الكفر ، أو عصيان اللّه وطغيانا عليه . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 118 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 118 ) ثمّ - لمّا بيّن اللّه المباينة بين المؤمنين والكفّار ، وتضادّ قلوبهم وأخلاقهم - حذّر المؤمنين من مخالطتهم وموالاتهم بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا ولا تختاروا لأنفسكم بِطانَةً وخليطا كائنا مِنْ دُونِكُمْ ولا تودعوا أسراركم عند الأجانب من دينكم ، فإنّهم لا يَأْلُونَكُمْ ولا يقصّرون لكم خَبالًا وفسادا بمكرهم وخديعتهم ، ولا يتركون جهدهم في الإضرار بكم ، في ما يورثكم الشّرّ وَدُّوا ما عَنِتُّمْ وتمنّوا مشقّتكم ، وشدّة ضرركم في دينكم ودنياكم . قيل : إنّ معنى الجملتين : أنّهم لا يقصّرون ضررا في أمر دينكم ودنياكم ، فإن عجزوا فحبّ ذلك ثابت في قلوبهم « 1 » . حتّى أنّهم قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وظهرت شدّة عداوتهم في كلامهم ، حيث إنّهم لا يتمالكون - مع مبالغتهم في حفظ أنفسهم - أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضهم للمسلمين . وفيه غاية المبالغة ؛ حيث فرض كلامهم - من ظهور العداوة والبغض فيه - عين البغضاء ، لا دالّا عليها ، فخروج الكلام من أفواههم ، لامتلاء قلوبهم بالبغض ، نفس خروج البغض ، وَ الحال أنّ ما تُخْفِي صُدُورُهُمْ وما تستّر في قلوبهم من البغض والحسد أَكْبَرُ وأكثر ممّا بدأ وظهر . عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه : كان رجال من المؤمنين يواصلون اليهود لما بينهم من القرابة والصّداقة والحلف ، فأنزل اللّه هذه الآية « 2 » . وعن مجاهد : نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يواصلون المنافقين ، فنهوا عن ذلك « 3 » . وقيل : إنّ المسلمين كانوا يشاورون اليهود في أمورهم ويؤانسونهم لما كان بينهم من الرضاع
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 2 : 85 . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 2 : 76 . ( 3 ) . تفسير أبي السعود 2 : 76 .